ابن قيم الجوزية
434
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وأما الصبر له : فمنزلة الرسل والأنبياء والصديقين ، وأصحاب مشهد « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » . ولأن الصبر له : صبر فيما هو حق له ، محبوب له مرضي له . والصبر به : قد يكون في ذلك وقد يكون فيما هو مسخوط له . وقد يكون في مكروه أو مباح ، فأين هذا من هذا ؟ . وأما تسمية « الصبر على أحكامه » صبرا عليه . فلا مشاحة في العبارة بعد معرفة المعنى . فهذا هو الصبر على أقداره . وقد جعله الشيخ في الدرجة الثالثة ، وقد عرفت بما تقدم : أن الصبر على طاعته ، والصبر عن معصيته : أكمل من الصبر على أقداره - كما ذكرنا في صبر يوسف عليه السلام - فإن الصبر فيها صبر اختيار وإيثار ومحبة . والصبر على أحكامه الكونية : صبر ضرورة . وبينهما من البون ما قد عرفت . وكذلك كان صبر نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، على ما نالهم في اللّه باختيارهم وفعلهم ، ومقاومتهم قومهم : أكمل من صبر أيوب على ما ناله في اللّه من ابتلائه وامتحانه بما ليس مسببا عن فعله . وكذلك كان صبر إسماعيل الذبيح . وصبر أبيه إبراهيم عليهما السلام على تنفيذ أمر اللّه أكمل من صبر يعقوب على فقد يوسف . فعلمت بهذا أن الصبر للّه أكمل من الصبر باللّه . والصبر على طاعته والصبر عن معصيته أكمل من الصبر على قضائه وقدره . واللّه المستعان . وعليه التكلان . ولا حول ولا قوة إلا باللّه . فإن قلت : الصبر باللّه أقوى من الصبر للّه . فإن ما كان باللّه كان بحوله وقوته . وما كان به لم يقاومه شيء . ولم يقم له شيء . وهو صبر أرباب الأحوال والتأثير . والصبر للّه صبر أهل العبادة والزهد . ولهذا هم - مع إخلاصهم وزهدهم وصبرهم للّه - أضعف من الصابرين به ، فلهذا قال : « وأضعف الصبر : الصبر للّه » . قيل : المراتب أربعة : إحداها : مرتبة الكمال . وهي مرتبة أولي العزائم . وهي الصبر للّه وباللّه . فيكون في صبره مبتغيا وجه اللّه ، صابرا به ، متبرئا من حوله وقوته . فهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها . الثانية : أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا . فهو أخسّ المراتب ، وأردأ الخلق . وهو جدير بكل خذلان ، وبكل حرمان . الثالثة : مرتبة من فيه صبر باللّه . وهو مستعين متوكل على حوله وقوته . متبرىء من حوله هو وقوته . ولكن صبره ليس للّه ، إذ ليس صبره فيما هو مراد اللّه الديني منه . فهذا ينال مطلوبه ، ويظفر به . ولكن لا عاقبة له . وربما كانت عاقبته شر العواقب . وفي هذا المقام خفراء الكفار وأرباب الأحوال الشيطانية . فإن صبرهم باللّه لا للّه ، ولا في اللّه . ولهم من الكشف والتأثير بحسب قوة أحوالهم . وهم من جنس الملوك الظّلمة . فإن الحال كالملك يعطاه البر والفاجر ، والمؤمن ، والكافر . الرابع : من فيه صبر للّه ، لكنه ضعيف النصيب من الصبر به ، والتوكل عليه ، والثقة به ، والاعتماد عليه . فهذا له عاقبة حميدة ، ولكنه ضعيف عاجز ، مخذول في كثير من مطالبه . لضعف